ملا محمد مهدي النراقي
271
جامع السعادات
النفاق وأصل الفساد ، ويجر لا محالة إلى التساهل في العبادات والمراءاة بها ، وإلى اقتحام المحظورات للتوصل بها إلى اقتناص القلوب ، ولذلك شبه رسول الله حب الشرف والمال وإفسادهما للدين بذئبين ضاريين ، وقال : " إنه ينبت النفاق كما ينبت الماء البقل " ، إذ النفاق هو مخالفة الظاهر للباطن بالقول والفعل ، وكل من طلب المنزلة في قلوب الناس يضطر إلى النفاق معهم ، وإلى التظاهر بخصال حميدة هو خال عنها ، وذلك عين النفاق . فصل الجاه أحب من المال إن لملك القلوب ترجيح على ملك المال بوجوه : الأول - أن المال معرض التلف والزوال ، لأنه يغصب ويسرق وتطمع فيه الملوك والظلمة ، ويحتاج فيه إلى الحفظ والحراسة 4 وتتطرق إليه أخطار كثيرة . وأما القلوب إذا ملكت ، فهي من هذه الآفات محفوظة نعم إنما يزول ملك القلوب بتغيير اعتقادها فيما صدقت به من الكمال الحقيقي أو الوهمي . الثاني - إن التوصل بالجاه إلى المال أيسر من التوصل بالمال إلى الجاه ، فالعالم أو الزاهد الذي تقرر له جاه في القلوب ، لو قصد اكتساب المال تيسر له بسهولة ، لأن أموال أرباب القلوب مسخرة للقلوب ، ومبذولة لمن أذعنت له بالانقياد واعتقدت فيه أوصاف الكمال ، وأما الخسيس العاري عن الكمال إذا ظفر بكثرة من المال ولم يكن له جاه يحفظ به ماله وأراد أن يتوصل به إلى الجاه ، لم يتيسر له . الثالث - أن ملك القلوب يسري وينمو ويتزايد من غير حاجة إلى تعب ومشقة ، إذ القلوب إذا أذعنت بشخص واعتقدت اتصافه بعلم أو عمل أو غيره ، أفصحت الألسنة بما فيها لا محالة ، فيصف ما يعتقده لغيره وهو أيضا يذعن به ويصفه لآخر ، فلا يزال يستطار في الأقطار ، ويسري من واحد إلى واحد ، إلى أن يجتمع معظم القلوب على التعظيم والقبول . وأما المال ، فمن ملك شيئا منه فلا يقدر على استنمائه إلا بتعب ومقاساة . ولهذه الوجوه تستحقر الأموال في مقابلة عظم الجاه وانتشار الصيت وانطلاق